أجلسُ على الأريكة الرّماديّة وألتحف بعباءة والدي.. والدي الرّجل الطّيّب الذي لطالما حلم بأن يراني أرتدي عباءة سوداء وأقسم يمين المحاماة. كنتُ في غرفتي أكتب مذكّرة مملّة وأشرب قهوتي الباردة، حين سمعتُ صراخاً غير مألوف، صراخ أمّي تولول وتبكي. ركضتُ بلا وعي، نزلتُ السّلالم دفعة واحدة لأرى والدي الحبيب مرمي أرضاً، وكومة لحم تتدفّق منه

كانت سيّارات مسرعة قد ولّت ومنزل جيراننا المقابل محطّم تماماً، زجاج في كلّ مكان ودماء، دماء والدي. سمع صوت الزّمامير تداهم منزل الجار، ولأنّه لا يرضى الظّلم، خرج ليفهم ما المشكلة، ولسوء حظّه، أخطأ أحدهم الهدف فأصابه

الدليل القانوني للسلاح: التّشريعات، التّراخيص وتوصيف الجرائم

      بين "شرعية الترخيص" و"خطر التفلّت"، يبرز السلاح في لبنان كقضية شائكة ومعقدة تتداخل فيها النصوص القانونية بالواقع الأمني والاجتماعي؛ هذا الواقع الذي بات يرزح تحت وطأة الفوضى والرصاص الطائش الذي يخطف الأرواح دون إنذار، مما حوّل السلاح من أداة يُفترض أنها للحماية إلى مصدر قلق دائم يهدد السكينة العامة ويضع هيبة القانون على المحك أمام ممارسات تفتقر إلى المسؤولية. 

وفي محاولة قانونية وعلمية لتفكيك خيوط هذه الإشكالية المتجذرة، يضعنا المحامي علي زين الدين في صلب القوانين اللبنانية التي تنظم حيازة واقتناء السلاح، موضحاً الفوارق الجوهرية والدقيقة بين السلاح "المقونن" والسلاح "المتفلت". كما يغوص في أعماق "فلسفة المشرّع" اللبناني في منح الرخص وتصنيف الجرائم المرتبطة بها، مقدماً قراءة قانونية شاملة تتجاوز مجرد سرد المواد الدستورية لتصل إلى تحليل الآثار الميدانية لهذه الظاهرة على أمن المجتمع، ومستعرضاً الثغرات التي تسمح للرصاص بأن يظل طليقاً خارج إطار المحاسبة الرادعة

في مقابلة خاصة مع المحامي علي زين الدّين،  أوضح أن السلاح في الإطار القانوني اللبناني ليس مجرد أداة، بل هو "سلعة ذات طبيعة خاصة" تخضع لمنظومة دقيقة من الأحكام والقوانين التي ترعاها. وأشار إلى أن تعريف "السلاح غير المرخص" يستند إلى ركنين أساسيين: الأول يتعلق بالبائع الذي يجب أن يستحصل على ترخيص بمرسوم من مجلس الوزراء يحدد آليات عمله التجاري، والثاني يتعلق بالحائز أو المشتري الذي يلزمه القانون بالاستحصال على رخصة حمل سلاح صادرة حصراً وبشكل مباشر عن وزارة الدفاع الوطني. وبناءً على ذلك، فإن غياب أي من هذين الترخيصين يخرج السلاح عن إطاره الشرعي.

وفي سياق متصل، كشف المحامي خلال المقابلة عن "فلسفة القانون" في منح التراخيص، مؤكداً أنها ليست حقاً عاماً بل إجراء استثنائي مرتبط بضرورات مهنية محددة. فالقانون يهدف إلى تمكين فئات معينة، مثل العاملين في القطاع المصرفي، وأصحاب محلات الصيرفة، وتجار الذهب، والمسؤولين عن نقل الأموال، من حماية الأنفس والممتلكات التي تفرض طبيعة عملهم الدفاع عنها. وشدد على أن التدقيق في هوية الشخص وظروفه هو الأساس، حيث لا يفترض منح هذه الرخص لمهن لا تواجه مخاطر أمنية مشابهة بطبيعتها.

أما فيما يخص إشكالية "السلاح المتفلت"، فقد ميّز المحامي بينه وبين السلاح غير المرخص، محذراً من أن السلاح المتفلت قد يكون "مرخصاً" في الأصل. وأوضح أن المبالغة والإسراف في منح التراخيص لأشخاص لا يحتاجونها فعلياً هو المحرك الأساسي لهذه الظاهرة. فكثرة السلاح "المقونن" بين أيدي الأفراد تؤدي إلى تحوله لسلاح متفلت في لحظات الغضب أو عند وقوع أدنى خلاف، مما يحول أداة الحماية المفترضة إلى مصدر تهديد مباشر لأمن المجتمع.

في ظل التساؤلات المستمرة حول قانونية اقتناء السلاح الشخصي، يوضح الاستاذ علي زين الدّين في قراءته القانونية لنصوص العقوبات اللبنانية أن مجرد حيازة السلاح دون ترخيص رسمي تُعد فعلاً جرمياً كاملاً، حتى وإن بقي السلاح مخبأً ولم يُستخدم في أي اعتداء.

وفي السّؤال عن موضوع حيازة السلاح بحد ذاته، 

يجيب  بشكل حاسم: "نحن هنا بصدد جرم حيازة سلاح دون ترخيص، حتى لو لم يتم استخدامه". ويضيف موضحاً أن القانون اللبناني يميز بين "الجريمة الوقتية" (مثل السرقة أو القتل التي تنتهي بوقوع الفعل) وبين "الجريمة المستمرة".

ويؤكد أن حيازة السلاح تندرج تحت فئة الجريمة المستمرة؛ حيث يقول: "يظل هذا الفعل الجرمي قائماً طالما أن حامله يحمله دون ترخيص.. شهر، سنة، أو عشرين سنة، فنحن بصدد جريمة مستمرة". وتكمن أهمية هذا التوصيف في أثره على "مرور الزمن" والقدم، حيث لا تسقط الجريمة طالما أن حالة الحيازة غير القانونية لا تزال قائمة.

وحول طبيعة العقوبات المترتبة على هذا الفعل، أشار إلى أن القانون اللبناني يقسم الجرائم إلى ثلاثة أنواع: (مخالفة، جنحة، وجناية). وبناءً عليه، يوضح الفرق في العقوبة كالتالي:

• الجنحة: هي الجريمة التي تكون عقوبتها الحبس لمدة ثلاث سنوات وما دون. وبحسب المحامي، فإن المحكمة العسكرية غالباً ما تعتبر حيازة سلاح دون ترخيص "فعلاً جنحياً".

• الجناية: هي الجريمة التي تكون عقوبتها الحبس لمدة ثلاث سنوات وما فوق.

أما في حالات "تصنيع الأسلحة والاتجار بها"، فيوضح أن الأمر يعود لتقدير قاضي التحقيق العسكري. فإذا وجد القاضي أن الفعل "كبير وآثاره خطيرة" يتم تصنيفه كجناية، أما إذا كان الموضوع أقل خطورة فيبقى ضمن إطار الجنحة.

وانتقالًا للحديث عن التكييف القانوني لإطلاق النار العشوائي في القضاء اللبناني، يتناول الأستاذ علي زين الدّين  في حديثه التمييز القانوني الجوهري الذي تتبعه المحكمة العسكرية عند التعامل مع قضايا إطلاق النار العشوائي، حيث يرتكز التكييف القانوني للفعل بشكل أساسي على طبيعة المكان الذي جرى فيه إطلاق النار. ففي الحالة الأولى، إذا تم إطلاق النار في منطقة غير مأهولة بالسكان، فإن القضاء العسكري يجرم هذا الفعل ويعتبره منطبقاً على أحكام المادة 72 من قانون الأسلحة. وفي هذه الظروف، غالباً ما تكتفي المحكمة بإصدار حكم يقضي بدفع غرامة مالية مع مصادرة السلاح المستخدم في العملية.

أما في الحالة الثانية، وهي الأكثر خطورة، عندما يقع إطلاق النار ضمن مناطق مأهولة بالسكان، فإن الإجراءات القضائية تتخذ منحىً أكثر صرامة نظراً لما يشكله الفعل من تهديد مباشر للأرواح. ويشير المحامي إلى أن العرف المتبع في المحكمة العسكرية وبناءً على الخبرة العملية، يتضمن توقيف الفاعل لمدة تصل إلى حوالي الشهر، بالإضافة إلى فرض الغرامة المالية وإلزامية تسليم السلاح الذي أُطلقت منه النار.

وعند الانتقال إلى الجانب المأساوي لهذه الظاهرة، وهو وقوع ضحايا نتيجة ما يعرف بالرصاص الطائش، يوضح المحامي أن التكييف القانوني يتحول هنا إلى جريمة "القتل من دون قصد القتل". ويشرح ذلك من خلال تفكيك عناصر الجريمة الثلاثة، وهي العنصر المادي الذي يتمثل في فعل إطلاق النار نفسه، والعنصر المعنوي الذي يركز على النية الجرمية، حيث أن مطلق النار في الهواء لا يملك نية جرمية للقتل ولكنه تسبب فيه فعلياً، وأخيراً الرابطة السببية التي تربط بين فعل إطلاق النار والنتيجة الجسدية التي لحقت بالضحية.

وفي ختام الحديث، يؤكد أن وقوع حالة وفاة ينقل الفعل من إطاره البسيط إلى حيز الجناية، وهي "فعل جنائي" كامل الأركان. وتترتب على هذه الجناية عقوبات مشددة في القضاء اللبناني، حيث يصل الحكم غالباً إلى الأشغال الشاقة لمدة تقارب الخمس سنوات. ولا تتوقف العقوبة عند الحق العام والمدة السجنية فحسب، بل تمتد لتشمل إلزام الجاني بدفع تعويضات مالية مدنية لورثة الضحية أو ذويها لجبر الضرر الناتج عن هذا الفعل العشوائي، 

ويوضح أن المشكلة في لبنان لا تكمن في نص القانون أو في آلية تطبيقه، حيث يصف القانون بأنه واضح وصريح ويتم تنفيذه بالفعل. تكمن العقبة الأساسية في نوع العقوبة المفروضة، إذ يرى أن الغرامات المالية الحالية (التي تصل إلى 30 مليون ليرة أو ما يعادل 350 دولاراً تقريباً) غير رادعة ولا تشكل ضغطاً حقيقياً يمنع الأفراد من إطلاق النار دون ترخيص. وللحد من ظاهرة السلاح المتفلت، يشدد المحامي على ضرورة تشديد العقوبات عبر رفع الغرامات المالية لتصل إلى مبالغ باهظة (مثل 500 مليون ليرة) وفرض عقوبة الحبس لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، مع ضرورة توصيف الفعل كجناية بدلاً من جنحة، مما يساهم في ردع الجميع، حتى من يملكون تراخيص قانونية.

تأسيساً على ما تقدّم، يتبين أن معضلة السلاح في لبنان لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في مدى قدرة العقوبات الحالية على تحقيق الردع المطلوب. فكما أكد الأستاذ علي زين الدين، يبقى القانون عاجزاً ما لم يقترن بتدابير صارمة تعيد تصنيف المخالفات كجنايات لا جنح، وترفع الغرامات لمستويات توازي خطورة الفعل. إن حماية الأرواح تتطلب اليوم أكثر من مجرد تنظيم للرخص، بل ثقافة قانونية حازمة تضع حداً للاستهتار بحياة المواطنين تحت مسمى "إطلاق النار العشوائي".

كيف يرى القانون دماء والدي؟

العدالة المرجوة (القصد الاحتمالي)

مادة قانونية (مثل المادة 188) تعتبر أن من يطلق النار في مكان مأهول "يقبل بالمخاطرة"، ويجب أن يُحاسب كقاتل متعمد

الواقع القانوني
(القتل الخطأ)

عقوبة مخففة تُعامل الجاني كأنه ارتكب حادثاً بسيطاً، وغالباً ما تنتهي بـ ضد مجهول

Within the context of seeking effective legal frameworks, the importance of community efforts becomes clear. In this audio segment, the mayor of Younine presents his experience in preventing the use of weapons at celebrations, highlighting the decisive role of local decisions in promoting public safety and peace.





القانون 71/2016

صدر في 27 تشرين الأول 2016 ويجرّم إطلاق العيارات النارية في  الهواء (سواء بالسلاح المرخّص أو غير المرخّص)
يعاقب مطلق النار بالحبس من 6 أشهر حتى 3 سنوات وغرامات مالية ومصادرة السلاح ومنع الترخيص مدى الحياة
عند وقوع إصابات أو وفاة، تُشدد العقوبات وفق القانون (مثلاً تصل العقوبة إلى الأشغال الشاقة في حالات خطيرة)
في 15 أيار 2025 تم تعديل القانون بمضاعفة العقوبة على مطلقي النار لتشديد الردع

السكوت عن المجرم هو مشاركة في الجريمة شرعاً وقانوناً

تكتمل الصورة الإنسانية ببعدها القانوني. استمع الآن إلى مقطع صوتي من قلب الحدث، يروي فيه المحامي كيف واجه الألم من منظور قانوني، وكيف يسعى لتحقيق العدالة

أصيب أبي، الرّجل البطل الوحيد في نظري، فقضى بلا سبب وتركنا خلفه نصارع حياة شائبة بلا لون. والدي اليوم يراني في عليائه وأنا أركض وراء حقّه المنسي كمحاميّ يتيم لا يفهمه أحد.. قد توقّفت الأحلام وتبخّرت الحقوق في يوم عشوائيّ

والد المحامي قُتل برصاصة طائشة، لكن هناك من يدفعهم الفقر لبيع تلك الرصاصات.. هل يبرر الجوع تجارة الموت؟ وكيف يرى الدين من اختار هذا الطريق ثم قرر التوبة؟

Explore the balance of religion and sustenance